محمد جمال الدين القاسمي

132

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وثانيهما : أن يراد سماوات الآخرة وأرضها ، إذ لا بد لأهلها من مظلّ ومقلّ قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] ، وقوله : وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [ الزمر : 74 ] . فإن قلت : ما معنى الاستثناء بالمشيئة ، وقد ثبت خلود أهل الدارين فيهما من غير استثناء ؟ . فالجواب : ما قدمناه في قوله تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ الأعراف : 188 ] ، يعني أن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن ، للدلالة على الثبوت والاستمرار . والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة اللّه تعالى بطبيعتها في نفسها ، ولو شاء تعالى أن يغيرها لفعل . وقد أشار لهذا ابن كثير بقوله : يعني أن دوامهم ليس أمرا واجبا بذاته ، بل موكول إلى مشيئته تعالى . وابن عطية بقوله : هذا على طريق الاستثناء الذي ندب الشارع إلى استعماله في كل كلام كقوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ [ الفتح : 27 ] ، فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع . وللمفسرين هنا وجوه كثيرة ، وما ذكرناه أحقها وأبدعها . ولما قص تعالى قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحله بهم من نقمة ، وما أعدّ لهم من عذابه قال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 109 ] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ( 109 ) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ أي في شك من عبادتهم ، في أنها ضلال مؤدّ إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم . وفيه تسلية له صلوات اللّه عليه ، وعدة بالانتقام ، ووعيد لهم . ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ أي فهم سواء في الإشراك ، وقد بلغك ما نزل بآبائهم ، فسيحلّ بهم مثله . وهو استئناف معلل للنهي عن المرية وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي من العذاب ، كما وفي لآبائهم غَيْرَ مَنْقُوصٍ .